القاضي التنوخي

57

الفرج بعد الشدة

إليه ، ويسرفون في التحكّم والبغي عليه ، إلى أن أدّاهم الجهل والطغيان ، والتمرّد والعصيان ، إلى إحضارهم دار المملكة من لقّبوه بالخلافة يوما واحدا ، ثمّ صرف عنها ، وأمير المؤمنين - أيّده اللّه تعالى - يعمل فكره ورويّته في حلّ نظامهم ، وحسم موادّ اجتماعهم ، وتشتيت كلمتهم ، وتفريق جماعتهم ، حتّى يتمكّن منهم تمكنّا يفتّ في أعضادهم ، ويوهن من عنادهم ، ثمّ يعفو عمّن يرى العفو عنه ، ويوقع القصّاص على من يوجب الحقّ القصّاص منه ، فلم تكن إلّا وقعة من الوقعات ، وساعة من السّاعات ، حتّى أخلف اللّه آمالهم ، وأكذب أطماعهم [ 76 ظ ] وبدّد شملهم ، وخيّب سعيهم ، وأكبى زندهم ، وانفضّوا بعد أن استلحم « 16 » من كان مضرما للفتنة ، وملهبا للنائرة « 17 » ، وعاد أمير المؤمنين - أيّده اللّه - على الباقين بالصّفح الشّامل ، والإنعام الكامل ، وتغمّد هفوتهم ، وأقال عثرتهم ، وأحسن صلتهم ، واستأنف أفضل [ 106 غ ] الأحوال بهم ، وعادت الأمور كما كانت ، وتكشّفت الخطوب وزالت ، وخلصت النيّات وصلحت ، وهدأت الرعيّة وسكنت ، وقد تكفّل اللّه - عزّ وجلّ - بنصر أمير المؤمنين ، وتشييد أركان عزّه ، واللّه يحقّ الحقّ ، ويبطل الباطل ، ولو كره المجرمون ، فأجر أعمالك - أعزّك اللّه - على أجمل ما تجريها عليه ، وأحسن سيرتك فيها ، مستعملا فيها أجدّ الجدّ ، وأبلغ التشمير ، حتّى تسهل صعابها ، وتدرّ أحلابها ، وتجري على أحسن مجاريها ، وأجمل تأتّيها ، واحذر أن ترخّص لنفسك في تأخير الحمل ، فتخرج إلى التأنيب والعذل ، وبادر الجواب عن هذا الكتاب ، لأعرضه على أمير المؤمنين - أطال اللّه بقاءه -

--> ( 16 ) استلحم الرجل : نشب في الحرب فلم يجد مخلصا . ( 17 ) النائرة : الهائجة والفتنة .